أحمد بن محمد المقري التلمساني
228
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
افتراق هذه الأمة على أكثر ممّا افترقت عليه بنو إسرائيل ، واشتهار بأسهم بينهم إلى يوم القيامة ، حتى ضعفوا بذلك عن عدوّهم ، وتعدّد ملوكهم لاتّساع أقطارهم واختلاف أنسابهم وعوائدهم ، حتى غلبوا بذلك على الخلافة ، فنزعت من أيديهم ، وساروا في الملك بسير من قبلهم ، مع غلبة الهوى واندراس معالم التقوى ، لكنّا آخر الأمم ، أطلعنا اللّه من غيرنا على أقلّ ممّا ستر منّا ، وهو المرجوّ أن يتمّ نعمته علينا ، ولا يرفع ستره الجميل عنّا . فمن أشدّ ذلك إتلافا لغرضنا تحريف الكلم عن مواضعه « 1 » الصحيحة أنّ ذلك لم يكن بتبديل اللفظ ، إذ لا يمكن ذلك في المشهورات من كتب العلماء المستعملة ، فكيف في الكتب الإلهية ، وإنما كان ذلك بالتأويل كما قال ابن عباس وغيره ، وأنت تبصر ما اشتملت عليه كتب التفسير من الخلاف ، وما حمّلت الآي والأخبار من التأويلات الضعاف ، قيل لمالك : لماذا اختلف « 2 » الناس في تفسير القرآن ؟ فقال : قالوا بآرائهم فاختلفوا ، أين هذه من قول الصدّيق « أيّ سماء تظلّني ؟ وأيّ أرض تقلّني ، إذا قلت في كتاب اللّه عزّ وجلّ برأيي ؟ « 3 » » كيف وبعض ذلك قد انحرف عن سبيل العدل إلى بعض الميل ، وأقرب ما يحمل عليه جمهور اختلافهم أن يكون بعضهم قد علم بقصد إلى تحقيق نزول الآية من سبب أو حكم أو غيرهما ، وآخرون لم يعلموا ذلك على التعيين ، فلمّا طال بحثهم وظنّوا عجزهم أرادوا تصوير الآية بما يسكن النفوس إلى فهمها في الجملة ؛ ليخرجوا عن حدّ الإبهام المطلق ، فذكروا ما ذكروه على جهة التمثيل ، لا على سبيل القطع بالتعيين ، بل منه ما لا يعلم أنه أريد لا عموما ولا خصوصا ، لكنه يجوز أن يكون المراد ، فإن لم يكن إياه فهو قريب من معناه ، ومنه ما يعلم أنه مراد لكن بحسب الشركة والخصوصية ، مع جواز أن يكون هو المراد بحسب الخصوصية ، ثم اختلط الأمران . والحقّ أنّ تفسير القرآن من أصعب الأمور ، فالإقدام عليه جراءة ، وقد قال الحسن لابن سيرين : تعبر الرؤيا كأنك من آل يعقوب ! فقال له : تفسّر القرآن كأنك شهدت التنزيل ! وقد صحّ أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لم يكن يفسّر من القرآن إلّا آيات معدودة ، وكذلك أصحابه والتابعون بعدهم ، وتكلّم أهل النقل في صحة التفسير المنسوب لابن عباس إليه إلى غير ذلك ، ولا رخصة في تعيين الأسباب والناسخ والمنسوخ إلّا بنقل صحيح أو برهان صريح ، وإنما الرخصة في تفهيم ما تفهمه العرب بطباعها من لغة وإعراب وبلاغة لبيان إعجاز ونحوها ؛ انتهى .
--> ( 1 ) في أ « مواضعه الصحيح » . وهو خطأ وقد صوبناه من ب . ( 2 ) في ب « لم اختلف الناس » . ( 3 ) سئل أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه عن « الكلالة » التي وردت في سورة النساء ولم يكن عنده خبر عنها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « أي سماء تظلني - الخ » يستعظم أن يفسر من القرآن ما لم يأخذه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .